ابن عجيبة
539
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
والفرق بين الخوف والرهبة والخشية : أن الخوف من العقاب ، والرهبة من العتاب ، والخشية من الإبعاد . قال القشيري : والفرق بين الخشية والرهبة : أنّ الرهبة : خوف يوجب هرب صاحبه ، فيجرى في تفرقته . والخشية إذا حصلت كبحت صاحبها ، فيبقى مع اللّه . فقدمت الخشية على الرهبة في الجملة ، والخوف قضية الإيمان ، قال تعالى : وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ « 1 » . والخشية قضية العلم والهيبة . ه . ثم قال : العالم يخاف تقصيره في حقّ ربه ، والعارف يخشى من سوء أدبه وترك احترام ، وانبساط في غير وقت ، بإطلاق لفظ ، أو ترخيص بترك الأولى . ه . قال الورتجبي : الخوف عموم ، والخشية خصوص . وقد قرن سبحانه الخشية بالعلم ، أي : العلم باللّه وجلاله وقدره وربوبيته وعبوديته له . وحقيقة الخشية : وقوع إجلال الحق في قلوب العارفين ، ممزوجا بسنا التعظيم ، ورؤية الكبرياء والعظمة ، ولا يحصل ذلك إلا لمن شاهد القدم ، والأزل ، والبقاء ، والأبد ، فمن زاد علمه باللّه زاد خشية ، لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « أنا أعرفكم باللّه وأخشاكم منه » . ه . وفي الحديث : قيل يا رسول اللّه : أي الأعمال أفضل ؟ قال : « العلم » قيل : أىّ العلم ؟ قال : « العلم باللّه سبحانه » « 2 » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه ؟ واللّه إني لأعلمكم باللّه ، وأشدّكم له خشية » « 3 » . ثم قال « 4 » : عن جعفر الصادق : العلم أمر ترك الحرمة في العبادات ، وترك الحرمة في الحياء من الحق ، وترك الحرمة في متابعة الرسول ، وترك الحرمة في خدمة الأولياء الصدّيقين . ه . ومعي كلامه : أن العلم الحقيقي هو الذي يأمن صاحبه من انتهاك حرمة العبادات ، ومن هتك حرمة الاحتشام من اللّه ورسوله وأوليائه . ومن أراد من العلماء السلامة من الاغترار بالعلم فليطالع شرح ابن عباد ، في قول الحكم : « العلم إن قارنته الخشية فلك ، وإلا ، فعليك » . وباللّه التوفيق .
--> ( 1 ) من الآية 175 من سورة آل عمران . ( 2 ) ذكره ابن عراق في تنزيه الشريعة ( كتاب العلم ، 1 / 278 ، القسم الثالث ) وعزاه لابن حبان ، والديلمي عن أنس ، عن طريق عباد ابن عبد الصمد . قال في تنزيه الشريعة ( 1 / 70 ) : « عباد بن عبد الصمد عن أنس ، بنسخة ، أكثرها موضوع . قاله ابن حبان » . قلت : معني الحديث صحيح . ( 3 ) أخرجه البخاري في ( الاعتصام ، باب ما يكره من التعمق والتنازع والغلو في الدين والبدع ، ح 7301 ) ، ومسلم في ( الفضائل ، باب علمه صلى اللّه عليه وسلم باللّه وشدة خشيته ، 4 / 1829 ، ح 2356 ) من حديث السيدة عائشة بلفظ : « . . . لأنا أعلمهم باللّه ، وأشدهم له خشية » . ( 4 ) أي : الورتجبي .